Tuesday, April 17, 2018

ثلاثية أبعاد الحب


ثلاثية أبعاد الحب

دائماً ما تؤشر أصابع الاتهام، ويلبس البعض قبعة المحقق ليتقمص شخصية "شيرلوك هولمز" ويتهم بها الكاتب، أو من يغرد في "تويتر"، أو حتى من يشارك في مواقع التواصل عن أي شيء يمت بالحب والمشاعر بصلة، على أنه شخص قد عانى الأمرين في علاقة حب، وبدأ بسرقة كلمات من هنا وهناك، وكتابة أشعار من أغاني "الضيم" كما يسمونها (من دون اقتباس طبعاً)، مصورين لنا بأن الحب ما هو إلا مرحلة بائسة من حياتك لابد أن تمر بها. ومن يدري، ربما كان السبب هو زمن المغريات والماديات الذي نعيشه، فغدا الحب مادة للبيع وليست مشاعراً يتغنى بها الحبيب لمحبوبه، ولم يرونه من أرقى وأسمى المشاعر التي تغنى بها الشعراء على مدى العصور، وألفت منه القصص والروايات، وبنيت بل أيضاً هدمت بسببه حضارات، كلها في سبيل سحر الحب.

وعلى غرار سحر الحب، هناك نظرية سميت بنظرية مثلث الحب كما أسماه عالم النفس الأمريكي روبرت سترنبرغ والتي تتمثل بالألفة، الشغف، والالتزام، واختلفت مسميات ولكن المعنى واحد، وقد أسميتها ثلاثية أبعاد الحب لأنني قد أجحف حق الحب إن وصفته في ثلاثة أضلاع ثنائية الأبعاد، فللحب عمق ولذلك لها بعد ثالث وهو العمق، ولربما لتخصصي وخلفيتي في مجال الهندسة، جعلتني أبصر الحب بأبعاد مختلفة. أحببت أن اختصر هذه الثلاثية كما وصفها إخصائي الطب النفسي البروفسور طارق الحبيب وهي التعلق، الاستكشاف، والتكيف. كما أنني سأركز على جزئية التعلق لما فيها من دروس وعبر ولأهميتها، ولأنها تعتبر فتيل الشعلة التي يتوقد منها الحب.

التعلق يتمثل في مشاعر الحب والألفة والارتباط بين الطرفين، وليست بشرط أن تكون بين عشيقين، فهي تتولد عند الأم عند حملها مولودها بين ذراعيها، وهي مشاعر الفرح التي تزهو عند التقرب من صديق ما قد بدأت بالتعلق به، وهي خليط المشاعر التي تتولد لدى المتحابين حين يشعرون بالراحة والقبول عندما يتجاذبون أطراف الحديث، والشعور بالانتماء والولاء والطاعة في حب الوطن وقادته. قد تبدو هذه العبارات وكأنها منمقمة بأزهى أنواع الزهور وأجمل عطور الورود، ولكنها في الحقيقة ككتاب أوراقه قد تحمل بين طياته أحداثاً درامية، فمن يسيء الاختيار وقت التعلق، قد ينتهي به المطاف بصدمة عاطفية، أو قد تنتحر مشاعره كما انتحر روميو في رواية "روميو وجولييت".

استغرب كثيراً ممن يعيشون في مرحلة التعلق، فهم يشعرون بلذة ونشوة وكأنه حلم، وذلك لأنهم لم يصلوا إلى البعد الآخر وهو مرحلة الاستكشاف، وهي مرحلة استكشاف العيوب والمزايا، ومرحلة التوغل في السمات الشخصية لمعرفة ما إذا توافق الطرفان. ويمكن تشبيه مرحلة التعلق بلوحة مرسومة بفرشاة من الحب وألوان من خليط من السعادة والنشوة، ولكن هذه اللوحة مفككة على شكل الأحجيات، وفي مرحلة الاستكشاف يتم حل هذه الأحجية، فإما أن تكتمل اللوحة بتوافق الطرفين أو أن يمل الطرفين وتبقى عبارة عن قطع مبعثرة.

الخطر في الإطالة في مرحلة التعلق هي عدم القدرة على فهم الآخر، لأن الطرفين مازالوا على السطح ولم يكتشف أحدهما الآخر، وهم يعيشون أحلاماً لا تمت للواقع بصلة، بكلاهما يظهر الجزء الملائكي منه فهو مازال في عنفوان الحب، فيظهر أفضل بل وأكثر من ما يستطيع أن يقدمه، لذلك تجد البعض من الأزواج، في فترة الخطوبة - وهي فترة التعلق- يجعلونها قصيرة ولا يجدون وقتاً لاستكشاف بعضهم البعض، فيبدوان في أول علاقتهما كعصفورين ينشدان أروع الألحان، ومن ثم يفقزون إلى مرحلة التكيف وهي مرحلة الالتزام بأن يعيشوا مع بعضهم فترة طويلة، ولكن سرعان ما يبوء هذا الزواج بالفشل، لأنهم حينها قد يكتشفون (في مرحلة الاستكشاف) سمات لا تتوافق مع بعضها البعض، أو تظهر المعادن ويكشف أن أحدهم سيء الطباع مما ينتج عنها خلافات لا يحمد عقباها، ويتحولا إلى غرابين كل منهما يطير ينعق طائراً في سرب. ومن أكثر الأمور الشائعة التي يرتكبها البعض في فترة التعلق هي ترك حياته الخاصة من أجل الآخر، فلو كان يعمل قد يتخلف أحياناً عن عمله أو يتقاعس لو كان مجتهداً، ولو كان شخصاً شغوفاً بالرسم أو الكتابة أو حتى مشاركاته على مواقع التواصل الاجتماعي، فقد يخفت بريقه وقد يقل إبداعه، وأحياناً قد يغوص في دوامة "الحبّيب" وكأنه أحداً غيره لم يعشق بعد، ويفوت على نفسه فرص كثيرة والاستمتاع بالحياة، وأحياناً يتعلق البعض ويختفي عن عوالمه (الحياتية وفي وسائل التواصل الاجتماعي) وإن فشلت علاقته، حاول العودة إلى حياته ليرقّع منها ما تمزق، وليضمد جراحه بعد فشله في معركة الحب وذلك بالبحث عن ضالته.

التعلق جميل، إن كان حياة جديدة وجميلة، وأن كان إضافة حسنة في حياتك، لا أن تكون ماحية لما تقدم وتأخر منها، فأن تعتزل العالم أجمع لأجل شخص ما قد يكون أمراً يجعلك تشعر بأن تطير فرحاً، فالجسم يفرز هرمون الأوكسيتوسين، والدوبامين والإندروفين (كلها مواد كيميائية في الإنسان قد أكتب عنها لاحقاً في كيمياء الحب) وهي ما تجعلك تشعر بهذه النشوة، لكنها نشوة عابرة وإن طالت، وقد يعتريها الرتابة والملل في المستقبل إن ظلت محشورة في زاوية هذا البعد (بعد التعلق طبعاً). قد يتساءل البعض كيف تكون مرحلة الاستكشاف، فالأمر اختلط عليهم، في الحقيقة يكون الاستكشاف بالتعرف على الآخر عن كثب عن طريق المواقف، بسؤال الطرفين عن تصرفاتهم وتوقعاتهم والأخذ بآرائهم في جميع جوانب الحياة، هنا تتشكل السمات، ويظهر المعدن الحقيقي بعد الكشف عن ما وراء الوجه الملائكي. هناك تفاصيل كثيرة وطرق أكثر لمعرفة الشخصيات ويمكن الولوج إلى شبكة الإنترنت والبحث عنها أو سؤال أهل الاختصاص.


قبل أن أُفهم بشكل خاطئ وأن أرمى بحجارة التهم، أردت أن أوضح أنني لست هنا بالطبع للتشجيع على الحب بالخفاء أو العشق المحرم، وليست تدوينة لأدس السم فيها بالعسل، فمن أنا حتى أغير عقولاً أصبحت تفرق بين الخطأ والصواب. الحب من المشاعر التي يحيا بها بني البشر منذ نشأة الأرض، وهي مشاعر حقيقة علينا أن لا ننكرها، فحتى العلم أثبت التغييرات الفسيولوجية والكيميائية التي تحدث للإنسان عندما يقع في الحب. ما أصبو إليه هو تعريف مراحل الحب التي قد يجهلها البعض والتي قد توسع مجال الإدراك لدى البعض،  ولتتقي العلاقات التي قد تسبب لك المعاناة، والاكتئاب، وتجعلك تتجرع من علقم الإحباط والتعاسة.

وفي هذا السياق، عزيزي القارئ لا تنسى دائماً أن تدعو بهذا الدعاء القائل: "اللهم إني أسألك حبك، وحب من يحبك، وحب عمل يقرب إلى حبك".

م. محسن السماحي

No comments:

Post a Comment