Friday, August 5, 2016

البوكيمون وبيئة العمل

البوكيمون وبيئة العمل



يتبحر بين أمواج أمنياته، فتارة يمسك بيد فتاة أحلامه في حديقة غنّاء تُسمع فيها أجمل أناشيد لزقزقة العصافير، وتارة أخرى يشعر بنشوة الأمن والأمان في بيته الكبير ذي المساحات الكبيرة، والأرضيات البيضاء التي تشبه قطعة جليد تشع البيت بهجة، هذا البيت الذي لطالما حلم ببنائه وهو يتلمس الأعمدة التي تسدل من حواليها ستائر مزينة بأبهى الألوان. فجأة! يبدأ جرس الباب بالرنين وبصوت مزعج يبدو مألوفاً، وكلما استمر بالرنين تتهاوى أجزاء من البيت، وكلما حاول الوصول إلى الباب لإيقاف الرنين شعر بأنه لا يستطيع الحراك، حتى صار البيت سراباً وحلماً يتلاشى، فما هو إلا بيت "الأحلام"

حينها يفتح عينيه روية ليتفاجأ بأن الرنين ما هو إلا زمجرة المنبه، الذي اعتاد سماعه يومياً ليهدم أحلامه الوردية التي تعتبر هي متنفسه الوحيد في زحام الحياة الواقعية التي تحمل له بين طياتها الأعباء وأحياناً الهموم، حتى أنه قام بتسمية المنبه ب"هادم اللذات". يقوم حينها ومازال عقله منشغلاً ببقايا حلمه الجميل، وجسده في هذا العالم المزدحم، وهو يتمتم بمزيج من الكلمات، بين الآمال بتحقيق تلك الأحلام، وبين الذم على الضغط على زر "البداية أو "Start" ليبدأ بطلنا الذي سمى نفسه ب"آش" -أي بمعنى الرماد- قصته اليومية. وقد سمي نفسه بذلك لأنه يشعر أحياناً بأن من حوله لا يعيرونه اهتماماً سواء في الواقع أو في صفحات مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة به، فهو يشعر بأنه كالرماد المحترق الذي يتطاير مع نسمات الهواء فيختفي ويتلاشى مع أدراج الرياح

تماماً كألعاب الفيديو، تبدأ القصة الصباحية لبطلنا المغوار بعد خروجه من منزله بسماع الأناشيد والنغمات الصباحية في قنوات الإذاعة التي اعتاد سماعها يومياً، تماماً كشارة البداية في ألعاب الفيديو، ويبدأ مرحلته الأولى بالتوقف أمام إحدى الكافيتيريات التي أعتاد فيها شرب قدح من "الكرك" اللذيذ فيها لتكون زاده في هذا اليوم. وما أن استجمع كامل قواه العقلية، يبدأ آش بخوض معركته اليومية في العمل، فهو "موظف" ولكنه في الحقيقة بطل خارق، كشخصية (سوبرمان) الشهيرة، الذي يعمل كصحفي بسيط في إحدى دور النشر. وبطلنا آش يقوم بالخوض في حياته اليومية بمبارزة الشخصيات التي سيقابلها أملاً في الحصول على بعض النقاط التي ستؤهله في الوصول إلى تحقيق أحلامه، كألعاب المبارزة (ستريت فايترز ومورتال كومبات)

بعد أن وصل إلى مكتبه المتواضع وفتح جهاز الحاسوب الخاص به، أخذ بتفحص بريده الإلكتروني، ليفاجأ ببعض الرسائل من أحد زملائه أرسلها إلى مديره المباشر، ووضع فيها آش مع زملائه في العمل في خانة النسخة الكربونية أو ال"CC"، ومحتوى هذه الرسائل هي عبارة عن أعمال وأفكار كانت لآش، ولأن من حوله لا يعيرون لأفكاره وأفعاله أي اهتمام فلم يلاحظوا أن هذه الرسائل التي أرسلت من عدوه اللدود، ومعروف بأنه غيور وحسود قد سرق أفكاره، بل وبنى عليها بعضا من الأفكار التي قد سرقها أيضاً من زملاء آخرين له، ليخرج بخلاصة تسمى بالنسخة الذكية أو الcopy الذكي. نوعية هذا الغيور كثيرة في بيئات العمل، ومثل هذه الفئة همها الوحيد الصعود على حساب زملائهم للوصول إلى القمة تماماً كلعبة (سوبرماريو) الذي يقفز على رؤوس خصومه لتسلق في النهاية إلى أعلى قمة ويبدأ الجميع بالتهليل له كأصوات الألعاب النارية وقت الاحتفالات

شعر آش ببعض الضيق لأن هذا الأمر يتكرر عليه بشكل شبه يومي، وأحياناً ينغص عليه جلّ يومه، ولكنه لم يكترث كثيراً، لأنه دائماً ما يجد أفكاراً جديدة ليطور بها بيئة العمل من حوله ليرقى ويترقي بالمنشأة التي يعمل بها، لتكون منشأة تكبر وتطور بسرعة ك(ماينكرافت)

هذه المرة لم يستسلم آش للمنغصات وقرر بالضغط على زر "continue" ليكمل المرحلة الأخيرة وذلك بالذهاب إلى مديره أو ما يسميه هو ب"الوحش الأخير". ظل آش واقفاً أمام الباب وقبل أن يطرق الباب سمع مديره يقوم بتوبيخ أحد الموظفين -كعادته- وتخيل وقتها بأن الموظف قد حاول تفادي كرات النار التي تخرج من فم مديره، ولم يستطع تفاديها جميعها حتى استسلم بال"GAME OVER" كبقية زملائة. بعد انتهاء المعركة طرق آش الباب وهو يبلع ريقه وبدأ بالسلام بصوت خافت، ليس احتراماً بل خوفاً بأن تصيبه أيضاً كرة من كرات النار، وبعد أن جلس أمام "الوحش الأخير" بدأ آش بالحديث، ولم ينتهي حتى من أول جملة, حتى قاطعه المدير وبادر بامتداح نفسه وبإنجازاته وبرؤيته في تكبير حجم إمبراطوريته المزعومة، بجمع أكبر عدد من التابعين له وكان آش يمرقه بنظرات استغراب وهو يحدق بفم الوحش وهو يتحدث حتى إن باغته بكرة نار يقوم هو بتفاديها. وبعد أن أنتهى هذا الوحش من الحديث، أراد آش توضيح مغزى زيارته له وأراد أن يبين له بأنه سيساهم في تطوير المنشأة أو الإمبراطوية - كما يظن مديره-، ولم يكمل آش حديثه حتى استوقفه مديره برمي كرة غريبة أمام آش، نصفها أحمر والآخر أبيض، وشعر آش بأن هناك قوة غريبة تجذبه نحو الكرة وحاول التمسك بالكرسي الذي كان يجلس عليه، ولكن قوة الكرة كانت كافية بجذبه وإدخاله فيها، فالوحش الأخير لا يحب من يجاريه ولا يحب من يعاديه، ودائماً يبارز أصحاب الأفكار الإبداعية، فهو لا يريد إلا أفكاراً محتكرة في كراته التي ترمز إلى عقله، أفكاراً تخصه هو لا تابعيه. أصبح آش مع زملائه في خانة ال"GAME OVER"

هنا أيقن آش بأن معظم ألعاب الفيديو قد أخذت فحواها من حياتنا اليومية فهي لا تختلف كثيراً عن الحياة التي نعيشها، وأيقن حينها أن الاسم الذي اختاره لنفسه لم يكن له هو، بل للوحش الأخير، فهو يجمع تابعيه في كراته ويجعلهم تابعين له، تماماً ك(آش كيتشم) جامع البوكيمونات في لعبة ال(البوكيمون) الشهيرة

م.محسن السماحي


No comments:

Post a Comment