Wednesday, June 7, 2023

المغالطة الغارقة

المغالطة الغارقة

المغالطة هي نوع من الأخطاء في الحجج أو النقاشات، حيث يتم استخدامها للتضليل أو الخداع. وبشكل عام تتمثل المغالطة في استخدام حجة غير صحيحة أو غير منطقية، ولكنها تبدو صحيحة أو منطقية.

ما دفعني للكتابة حول هذا الموضوع هو مشاهدتي لرابط على إحدى القنوات التي أتابعها على يوتيوب والتي تهتم بالمجال الاقتصادي. كانت الحلقة بعنوان حلقة التي شاهدتها كانت بعنوان "مغالطة التكلفة الغارقة" أو (Sunk Cost Fallacy) وهي اختصاراً: التكلفة التي يتم تحملها في الماضي في مشروع ما، مع الاستمرارية في هذا المشروع مع العلم باحتمالية فشل المشروع وأنه من الأفضل اقتصادياً أو استراتيجياً التوقف عنه.

ومن الأمثلة الشهيرة عن هذه المغالطة هي مشروع طائرة "كونكورد" الذي استمرت الحكومتين البريطانية والفرنسية في دفع مبالغ أكثر من ما هو مخطط له فقط لإكمال المشروع الذي كان حينها وبحسب المعطيات مشروع غير مجدي اقتصادياً. هذا على صعيد الشركات ولكن على الصعيد الشخصي، نسمع كثيراً ونحن نتجاذب أطراف الحديث مع زملائنا وأصدقائنا عن أشخاص قد نعرفهم من قريب أو بعيد وقد اقحموا أنفسهم في مشاريع تبدو وكأنها تصارع خطر الإفلاس، ومازالوا يحاولون إنعاش المشروع بدفع التكاليف من مصاريفهم الخاصة، مما قد يتكبد بالخسائر مع الاستمرار في المشروع.

من المقولات الشهيرة في سوق البورصة هي "لا تتزوج السهم" وقد تعد هذه المقولة مثال من أمثلة مغالطة التكلفة الغارقة، فبعض المستثمرين أو المضاربين يشترون سهماً من شركة ما بسبب استراتيجية المتبعة في الشركة أو ثقلها في السوق، أو بسبب تسرب أخبار أو إشاعات توحي بارتفاع سعر السهم. ومن المعلوم أن سوق البورصة محفوف بالمخاطر نظراً لحركة السهم صعوداً وهبوطاً. يبقى متزوجون السهم على نفس السهم خاصة وبعد المؤشرات عن استمرارية هبوطه أملاً في صعوده يوماً، فلا يشترون سهماً أكثر قوة وتاريخ طويل من الأداء الجيد والثقة بأنها والتي تسمى ب"الأسهم الزرقاء" بديلاً للتعويض ولا يحاولون التخارج بأقل خسائر.

هل تعلقت يوماً بعلاقة سامة وظللت متمسكاً بذات الشخص الذي تسبب في هدر وقتك وطاقتك، بل واستنزف عقلك وتفكيرك. تلك العلاقة بالرغم من معرفتك التامة بأنها لن تكون ناجحة إلا أنك تتمسك بتلك القشة التي إذا أمعنت النظر فيها ستدرك أنها مسمار الذي سيدق في عرشك ويتسبب بغرقك. وكثيرة هي الشخصيات السامة في مثل هذه العلاقات سواء كانت على المستوى العاطفي أو العائلي أوالاجتماعي. مغالطة العلاقة الغارقة هي التجرع من علقم العلاقة السامة والبقاء فيها مع العلم أنه ممكن يؤدي ذلك لوفاة العقل والروح، فأخطر ما قد يفعله المرء في حق نفسه هو التعلق السلبي. (لا تتعلق بأي شيء المعاناة والألم أسبابها، فهذا التعلق هو جزء من الموت") شارلي شابلن.

وعلى الصعيد الدراسي والمهني، تعد اختيارات التخصص الجامعي كمرحلة فارقة في حياة الطالب، وأحياناً يكون اختيار الطالب بناءً على رغبات والديه، أو بسبب رغبته باللحاق بالركب مع رفاقه لأنهم اختاروا تخصص معين، وأحياناً لعدم المعرفة الكافية بالتخصصات وقبول الأمر الواقع بأي تخصص سيجده متاح. تعتبر هذه المرحلة فارقة، حيث تشكل النقطة الفاصلة التي تحدد مسار الطالب المستقبلي، سواء كان سيصبح طبيبًا، أو مهندسًا، أو يختار الخدمة العسكرية...إلخ. الاستمرار في تخصص غير مناسب بسبب الخوف من رد فعل الوالدين، أو القلق من تغيير الصورة الذاتية أمام الآخرين للحفاظ على المظهر الاجتماعي، أو بسبب ضعف مستواه التعليمي في التخصص، قد يؤدي إلى تعرض مستقبل الطالب للخطر، حيث سيجد نفسه في بيئة لا تتوافق مع اهتماماته وميوله. وهذا ما يسمى بمغالطة التعليم الغارقة.

وعلى نفس السياق، أحياناً كثيرة نتقبل وجودنا في وظيفة ما لا تناسبنا بل وتستهلك طاقاتنا، أو بيئة عمل سامة يشوبها تلوث النفوس من الأشخاص الذين يسعون للنجاح على حساب الآخرين، مما يؤدي إلى خلق جو من السلبية والتوتر (محترفين الحفر) الذين يصعدون على أكتاف الآخرين بالحفر وإسقاطهم في الحفرة.

وعلى نفس السياق، قد يجد الشخص نفسه في أحيان كثيرة ملتزم بوظيفة لا تتوافق مع مؤهلاته أو اهتماماته وتستنزف طاقاته، أو يتعامل مع بيئة عمل سامة يشوبها تلوث النفوس ومليئة بالأشخاص الذين يسعون للنجاح على حساب الآخرين، مما يؤدي إلى خلق جو من السلبية والتوتر. والأدهى من ذلك هي بيئة العمل والتخصص المناسبين، ولكن وجود كائنات بعقليات دهرية ديناصورية تعرف بال"مديروصورس" التي لا تفقه في فن القيادة، ولا مبادئ الإدارة، أو الكائنات الطفيلية الأخرى والتي تسمى بالإدارة المركزية (أو micro-management) والتي تتحكم وتحشر أنفها في كل صغيرة وكبيرة في المنشأة حتى ولو كان الأمر إدخال خيط في إبرة، فيصبح الموظف مقيداً في حدود أوامر مديره، فلا يبدع ولا يبدي رأياً. وما إذا ابتدع أمراً من دون علم مسؤوله –المركزي– ومن ثم اكتشف ذلك، قضي أمره، كدمية الغميضة الشهيرة في مسلسل "لعبة الحبار" الشهيرة. وتعتبر هذه المغالطة أو الغرق فيها من أصعب الأمور لأنها توفر الاستقرار المادي والأسري للفرد، ولذلك يصعب التخلص خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية التي تجعل العثور على وظائف بديلة مناسبة تحديًا كبيرًا. وأحيانًا، يكون الشخص مرتبطًا بالتزامات مادية، كالقروض والديون التي تثقل الكاهل، مما يجعله يتمسك بوظيفته حتى لو كانت سبباً لاكتئابه وحزنه، ولبعض الأمراض التي ألمت به. تلك هي أعزائي بمغالطة الوظيفة الغارقة.


ما ذكرته في هذه التدوينة ليس بشرط أن تسمى مغالطات، يمكن التعبير عنها بأنها غرق المرء في مشكلة ما، ولكن تعمدت ذكر المغالطة لأنه في بعض الأحيان نعتقد أن الأمر الذي نحن غارقين فيه هو المنطقي والصحيح.

في الختام، يجب أن نتذكر دائمًا أن الحياة ليست خالية من التحديات والعقبات، وأن القرارات التي نتخذها تحمل آثارًا على حياتنا، سواء كانت على المستوى الشخصي أو المهني أو العاطفي. لذا، من الضروري أن نتعامل مع هذه القرارات بحذر وتأني، وأن نستعين بالله في كل خطوة نتخذها. فالاستخارة هي ملاذنا كمسلمين في اتخاذ القرارات الصعبة. وبالاعتماد على الله والثقة في حكمته، يمكننا تجنب الوقوع في المغالطات والأخطاء التي قد تؤدي إلى الغرق في بحر الندم والأسف. فالحياة قصيرة، والوقت ثمين، ولا يجب أن نضيعه في تلك المغالطات والغرق فيها.


محسن السماحي


No comments:

Post a Comment